ابراهيم بن عمر البقاعي

291

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي « من سنّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 1 » حسن اقترانهما جدا ، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له ، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب ، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف ، فكأنه نصيب متكفل بما هو له من إسعاد وإبعاد ؛ قال أهل اللغة : النصيب : الحظ ، والكفل - بالكسر : الضعف والنصيب والحظ ، ومادة « نصب » يدور على العلم المنصوب ، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل والمرجع والتعب ، فيلزمه الوجع ، ومن لوازمه أيضا الحد والغاية والجد والوقوف ؛ ومادة « كفل » تدور على الكفل - بالتحريك وهو العجز أو ردفه ، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر ؛ وقال الإمام : الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 والتوبة : 34 والانشقاق : 24 ] والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند اللّه سبحانه وتعالى - انتهى . وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل . ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية ، ليكون ذلك زاجرا عن مقارفة شيء منها وإن صغر ؛ عبر في الحسنة بالنصيب ، وفي السيئة بالكفل ؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى ، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول من عند اللّه ، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب ؛ عبر بالكفل فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد : 28 ] إلى آخرها . ولما كان النصيب مبهما بالنسبة إلى علمنا لتفاوته بالنسبة إلى قصور الشافعين ، وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا اللّه سبحانه وتعالى علما وقدرة ؛ قال تعالى مرغبا ومرهبا : وَكانَ اللَّهُ أي ذو الجلال والإكرام عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة مُقِيتاً * أي حفيظا وشهيدا وقديرا على إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات ، وعلى تقدير ما يستحق كل أحد من الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر .

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 1017 والترمذي 2675 والنسائي 5 / 75 و 77 وابن ماجة 203 والطبراني 2375 والبيهقي 4 / 176 وابن حبان 3308 والطيالسي 670 وأحمد 4 / 357 - 359 كلهم من حديث جرير .